|
لمَ لا تصغون إليَّ؟
نحن والذئاب ننام
...ومثلها
نموت ...
يا
لهذه الشراكة
سنية صالح
وذكر الورد
لمَ لم يصغي أحد إلى القصيدة، إلى سنيّة؟
ولماذا كان الورد، ذكَرا؟!
"كيف
يأتي الخلاص وقد نُهب ما تحت الوسائد ؟ " ....
تتكاثف الأسئلة وتبقى عالقة بين أهداب
القصيدة، حين الشاعرة عائدة إلى رحم الأرض
هنا ننفض بعض الغبار عن هذه الأوراق،
ونبحث عن ورد الشاعرة في مجموعتها الأخيرة، فلا نلمح أثرا لورد وياسمين
وحناء، بل نرى عالما معدنيا، تاريخا فاسدا، بحيرات مدانة، وبراكين من
زرنيخ، ولا يوجد ما يكفي من الضمادات " لخاصرة البركان" ! إنها الشاعرة
سنية صالح...
سنيّة صالح: شاعرة سوريّة راحلة
ولدت في مصياف
محافظة حماه/سوريا عام 1935 وتوفيت عام 1985 إثر إصابتها بالسرطان. أخت
الناقدة " خالدة سعيد "
عضو جمعية الشعر
مؤلفاتها الشعرية:
الزمان الضيق - شعر- بيروت 1968
حبر الإعدام - شعر - دمشق 1979
قصائد - شعر - بيروت 1980
ذكَرُ الورد - شعر- لندن - 1988
*
زوجة الشاعر السوري محمد الماغوط ولهما
ابنتان " سُلافة وشام " وإليهما تهدي بعض القصائد التي كتبتها في فترة
مرضها، بلغة وروح أمّ شاعرة تفيض لوعة وحبا وحزنا وأملا...
قصائد هذه المجموعة الأخيرة، صدرت بعد
وفاتها عن دار نجيب رياض الريس في لندن، وكانت قد كتبتها بين حزيران
1997 وتموز 1984، في فترة مرضها ومعالجتها بين مشفى " بول بروس " في
باريس حيث أمضت 10 شهور للعلاج، وبيتها في دمشق.
المجموعة جاءت في 100 صفحة من القطع
المتوسط، ومهداة إلى:
"البيوت
الحميمة التي طرد الإنسان منها، وتلك التي ابتلعته وأهلكته،
إلى الأبواب الموصدة التي تساقط أمامها
وهو ما يزال ينتظر. "
* * *
ماذا تراه ينتظر هذا الإنسان، وهل وصله
إهدائك ووردكِ أيتها الروح الشاعرة؟!
غالبا ما يصل الموت قبل الورد، إلا أن
القصيدة ورد لا يذبل، يحمل روحَه ورياحه صوب هذا الإنسان المقيم دوما
على شفير وقلق وجودي وشخصي، فتأتي الكتابة لتندس بحميمة في قلب الأحبة،
وبقسوة في قلب الزمن حين يفقد النظر عنوة أو سهوا.
كيف أصبح الورد في عنوان المجموعة "
ذكَرا "؟! هل هذا أشارة إلى عقم ما في طبيعة العالم، أم كسر للموروث من
أنوثة الوردة؟!
ربما لهذا أسمعكِ تصرخين
يا أمّ
"
أيها المقنّعون بكل ما نحب / وما نكره/
لما لا تصغون إلي؟ / لساني الثقيل سيذهلكم / إذا انطلق دفعة واحدة...
"
لم ينبت الحب والعشب فوق الخراب، كما
أرادت الشاعرة، فقط انشطرت الكوارث ولسعتنا الخيبة والهزيمة، ولم يرتو
العطش، للحياة والوجود والحب والعدل، الذي تقوله بصور متشظية شتى، يطفو
عليها الأسى واللوعة، ولا تخلو من قسوة صادمة، رافضة " إذا مسستكم
بسيفي / شطرتُ لسانكم إلى ألف / كل شطر يناقض الآخر.."
هي الشاعرة التي غادرت البيت والوطن ولم
تتآلف أو تعتد على هذا الوجود، فتختم قصيدتها الطويلة التي بعنوان "
رامبو الألف وبودلير العشرون":
"
كيف أروي تلك المساحات الشاسعة من الرمال
"
وأنا لا أملك إلا قطرة دم واحدة
منحني إياها جمع غفير من الأجداد
وأخبروني أنها سري، فانتابني نوع من
الحيرة:
كيف أدخلها إلى جسدي؟
لا لضيق المكان
وقلة الشرايين
بل لأنني لم أعتد على الوجود بعد. " ص 88
* * *
في مقدمة المجموعة بحث كتبته الشاعرة عام
1982 لمجلة " فكر " اللبنانية، ويأخذ ست صفحات تختزل انطباعاتها
وهواجسها عن العمل الإبداعي، عن فعل الشعر، عن الانفعالات والصور
والعلائق التي تحدث في زمن كتابة القصيدة، وعما تنقله القصيدة للأزمنة
اللاحقة، عن طبقات الحضور والانقسامات التي تشعل الجملة والصورة
الشعرية وكم تُختزّن! وكيف تُستولد حين ينضج المخزون الروحي والشعري
الذي لا يكتمل إلا مدعما بالثقافة والبحث... كما وتعنون بحثها بـ (فجرٌ
نسميه القصيدة) لما تعوّل عليه من روح القصيدة والشعر في إنارة العالم
وذهن الإنسانية:
"
في العمل الإبداعي يدفع الشاعر بشفرة
ذاته داخل القشرة الثقافية الأخلاقية، وعبر النواة الحلمية، ليصل إلى
مذاق الحياة الحقيقي. بذلك وحده يصير نسيج اللغة الشعرية نسيجا مشعا" ص
9
"
إن فترة اختزان الحدث أو المحرض، أو فترة
حضانته هي حقيقة إنسانية. والشاعر هو الجوف أو الرحم أو الأتون البشري
الذي تنتقل إليه شريحة حية من العالم. شريحة تتميز بالغربة، ولا تتوافق
حركتها مع حركة العالم، أو مع درجة ليونته وصلابته. وعندما تنفصل عن
العالم يلتقطها الوعي البشري الذي يملك خاصية استيعاب تلك الشذرات
الضدية أو المتحررة واختزانها.... وكلما حاول شاعر أن يطارد بالوضوح
والوعي تلك اللحظة، أضاف إلى غموضها غموضا وزادها أسرارية وغيبية. كل
ما نستطيعه هو أن نحول تلك اللحظة وأوضح ما أستطيع قوله، أن القصيدة قد
تبدأ بحادثة حية، تغيب في وعيي المدة الكافية للصيرورة الشعرية، وتتطور
إلى حالة قابلة للاشتعال أو الصياغة الشعرية. لا قصيدة دون هذا
الاختراق"
"
تظهر أهمية الثقافة عند الشاعر في
المرحلة التالية للهذيان.. "
"
جسد الشاعر هو حلقة الوصل بينه وبين
العالم، أو بين الحلم واللاحلم، هو معبر الرؤية.."
"
تظل لسعة البرد الأولى حيّة في لاوعي
الإنسان، وتدفعه لطلب الدفء حتى ساعة الموت.. "
الموت الذي يتردد صداه حتى آخر نبض في
قصيدتها، ويسحب من فمها خيط الكلام، ملوثا بالدم:
"
كان جوفي فما يناديني فأنهض. وكان نصف
البشرية يصرخ في أذني اليمنى، والنصف الآخر يصرخ في أذني اليسرى.
العاصفة سحبت خيط الكلام من فمي
ملوثا بالدم منذ ملايين السنين
قلتُ... "
ولم تكملْ!
هنا يتوقف حبر الروح وينسحب الدم من
أشلاء الأم والزوجة الحبيبة المريضة، فلا يجد الشاعر " الماغوط " بعدها
"طفلة" في العالم، لكأن العالم أصيب بعقم أخير، فدوّن خسارته بكلمات
قليلة تعيد لروح الشاعرة مقامها، ومقامها في قلبه وبيته فيقول مدثرا
بالوجع، ويكتب على شاهدة قبرها في دمشق/ السيدة زينب:
"
هنا ترقد الشاعرة سنّة صالح، آخر طفلة في
العالم "
"
ثلاثين سنة وهي تحملني كالجندي الجريح
ولم أستطع أن أحملها إلى قبرها بضع خطوات.."
هذا وإن المتتبع لسيرة حياة الشاعر
المبدع محمد الماغوط سيعرف مقدار التفاني والمؤازرة والصبر والقوة التي
حملها قلبها فكانت تعاضد وتساند وتؤازر الشاعر في أحلك ظروفه... وهي
التي كتبت بمعرفة ناضجة ومسؤولة وبقلم ينضح شقاء وحبا، مقدمة الأعمال
الكاملة لزوجها" الماغوط" ورفيق دربها في الكتابة ومقارعة الحياة..
من جملة ما تتطرق إليه في بحثها الذي
كتبته عام 1982، ما يشير إلى أملها في أن نهر القصيدة " الجديدة "
سيحمل الآمال وسيفتح الطريق للفجر، بشرط أن نعالجه بحكمة ومحبة، نقادا
وشعراء:
"
أشهدُ هنا لغموض الشاعر أمام نفسه. وإذ
يأتي الناقد ليكشف هذا الغموض، عليه أن يكون شديد الحذر ويسأل نفسه، هل
يريد أن يكون شاعرا آخر أم جراحا ؟ لان الشعر لا يسلّم أسراره
للجراحين، وإن أسلم تقنياته .. "
"
القصيدة الجديدة رافد جديد لنهر الحساسية
والتصورات والآمال البشرية، والشاعر ربان مغامر يرسم خريطة الأمواج " ص
15
هذه الآراء التي كتبتها الشاعرة منذ
عقدين من الزمن، والتي ما يزال الشعر والشعراء اليوم، يجتهدون في إعادة
صياغتها أو تطبيقها.
* * *
كيف يمكن للشاعرة أن تحكم فيض أمومتها
ومشاعرها، لتكتب إلى ابنتيها _ سلافة وشام _ في حضرة الداء العضال،
وقريبا جدا من الموت!!
أنها شجاعة أن تكتب في تلك البوتقة من
العاصفة، وتقول من خلالهما وفي صورتيهما كلماتها إلى جدات الأرض
والآلهة والنساء، فتخرج من الشخصي إلى العام، تمسح شعر ابنتها "
الملولة " بمحبة، تنزعج من "فوضويتها" تسرّ لها كصديقة بما يعتلج في
صدرها من... وتسرد عليها قصاصات من ذاكرتها الشخصية، تسكب في نبضها عشق
الحياة والأمل، رغم عتاة التاريخ وسادته الذين يسرقون الضوء والضحكة من
ثغر الأطفال، تؤاخي بين صورة الابنة والأم والجدة والأرض والآلهة
الخصبة في زمن عقيم،
القصيدة مكتظة بالدمع وقوة البصيرة،
فنتأمل " تخرجين من أسوار الجسد ":
"
أيتها العصفورة /
يا ابنتي
دفاعكِ البريء يشع فيّ
فأضخ روحي في صدركِ
....
الليل يدق أجراسه
هل نويت الغناء؟
لصوتكِ الرائع يخشع المصلون/ ويصغي الإله
يأتيك بالطعام الملكي
لتكن خطاك حكيمة في الامتلاك الصعب /
للقلب المضطرم. ص 31
ها هي الأرض تصعد معنا،
كي لا تسير في هواء الافتراضات
تتقدم نحو الحلم تطير كالفقاعة في فضائه
حاملة أطفالي إلى اللازورد
شام في المقدمة
سلافة تهز شجرة الغيوم
فتسقط الدموع كلها
الدموع التي أغفلها التاريخ
الدموع التي أنكرتها العصور
.....
....
يا ابنتي/
يا سليلة
الريفيات
يكتمن صراخ الولادة / ثم يقذفن الأجنة
إلى أحواض النحاس
والجوع يقرع طبله في الأحشاء
والفقر يعري العظام/
ومع ذلك أضأتك بأعظم الرغبات
تخرجين من أسوار الجسد
ومعك أجيال يضيئها عبورك الصاعق
إنها الولادة فلا تخافي:
نبدأ عراكنا العظيم
تلتقطين ظلي وتنهضينه،
فيهوي، ثم تنهضينه
فيهوي من جديد
أنتِ أيضا صار لكِ ظل
وصار يهوي.
أين يذهب الظل حين يهوي؟!
وكيف يهوي ظل كلمة شاعرة على كآبة العالم!
عاصفة تلوب وتمخر الذاكرة والتاريخ لتقول
الابنة والجدة والسلالة، بفيض صور شعرية، تعبر الجسد وتخرج من الجسد
تدق وتد الحلم في صحراء العالم، في غاباته الموحشة، تناديكِ
يا ابنتي أن
تتبعيها جذرا جذرا، شجرة شجرة، حتى بدايات فجر الحلم، إلى حيث أدغال
الشعراء "رامبو ولوترمامون" لكأن مملكة الشعر، غدتْ وحدها البديل
والمنارة والمرفأ:
"
يا صغيرتي /
يا غابة
الآلهة والنساء الخالقات
نتألم آلام الفراق الأعظم
نتشنج ونصرخ
يتمزق جسدي
ويحشر جسدكِ في عتبة العالم الأولى / ثم
نصرخ
لا تيأسي، واتبعيني،
ففي قلب الأدغال المجهولة
أدغال رامبو ولوتريامون
أشياء رائعة خلقت لنا
في قلب الأدغال/ شجرة الحلم / فاتبعيني.
ص 36
* * *
هنا أترك القصيدة كاملة، تقول لكم شيئا
آخر عن العالم الذي لم يمهلها كثيرا لتكمل القول، العالم ذاته الذي لم
يمهل الشاعر الفرنسي رامبو أو السياب أو فروغ فرج زاد... وما شئتم من
الأسماء المبدعة الأخرى، والتي يكون نفض الغبار عن ألبوماتها القديمة،
بمثابة قداس أو فاتحة/ شعرية، أو كمشة ندى ترطب آثار أصابعهم ودفاترهم
بين أدراجنا:
رامبو الألف وبودلير العشرون
عن مجموعتها: ذَكَرُ الورد
1
كان الشعراء يفكرون في الثلوج
على قمم كلمنجارو
في الرياح على ضفاف البحيرات
يحلمون بالأميرات النائمات مع قيثارتهن
تحت أشجار الأضاليا
أيها الشعراء
يا سائسي
أعمارنا
النار الأولى تمنح من جديد
لآليات العصر ومواقده،
الكشف البدائي
رامبو الألف وبودلير العشرون
جميعهم يجرون في دمائنا
ونهجم في اتجاهات العالم كلها
جموعا تنهش وتفترس
وتستعيد الجوع الخرافي .
2
مساء الخير أيتها الحزينة
وحدك في الليل ومتعددة في النهار
تظهرين بشكلك الهندسي
يغطيك ِ رماد الوحدة
أرقبك من نافذة المنفى
كي لا نفقد مجاذيفنا في الظلام
أعود إلى عصورك الأولى:
قلبي، شعري وأحلامي
لا أجرؤ على عصيانها
3
كان نشاط الحصادين في أوجه
في حركتهم اللائبة تحت شجر الخطيئة
والريح ترفعهم شيئا
فشيئا
يضمون رؤوسهم، يهمسون أو يصلون
يلوحون بأذرعهم في الفضاء
ثم يقذفونه للريح؟
يكررون الحركة الباطلة
والريح ترفعهم
كي يقبضوا لها على الغيوم
أو ليغيبوا فيها،
يا لذلك
الحصاد !
بعيدا مضوا
أخذوا ظلالهم ومضوا
تركوا حصادهم ومضوا
ثمة انقسامات كثيرة بين صفوف الغيم
الغيمة الواحدة تتناثر
فيخرج فراخها
ناقلين خبز الخريف إلى موائد الشتاء
أيها الخريف الزاني
هيا ندفن الحصاد الذي أهمل
هيا نجذب الذاكرة المجهولة
لتنساب خيوط العالم تخيط الجزر المشردة
لتصير القارة الوهمية
أو الوطن الآخر.
4
أيها المقنّعون بكل ما نحب
ونكره
لم لا تصغون إلى؟
لساني الثقيل سيذهلكم
إذا ما انطلق مرة واحدة
أيها الغامضون إذا مسستكم بسيفي
شطرت لسانكم إلى ألف
كل شطر يناقض الآخر.
أصغيت إلى الأعراب والخراسانيين
وبقيت أصغي
حتى تساقطت أذناي في حسابات الطرق
والمسافات
ولسعتني الهزيمة.
5
لو أن الكارثة تنشطر
وينبت عليها الشجر والعشب الجميل
لو أن الملائكة تخرج من الحجار
والأحباء من شفرة الفأس
لو تجري أعظم الأنهار فوق راحتي
لو يرتوي هذا الظمأ
6
امتطت الآلهة جياد البوتاسيوم
المطهمة
وعندما توقفت على حافة نافذتي
دهشتُ
فجأة انفرط جسدي إلى نمل صغير
وأخذ من الرهبة يقرض بعضه البعض
ولما انتهى من كل شيء
أكملت الآلهة تجوالها الملكي.
7
خريف مبدع لكنه يدمر أنثاه
وعندما يستريح رأسه
يشرب من كأس أنوثتي
كأس من خريف المعدن
من غموض اللغة والشعر
كيف يشعل حروبه
وأنثاه تكنز ذلك المطر؟
8
نحن والذئاب ننام
ومثلها نموت
يا لهذه
الشراكة!
9
كيف تجيء النهايات؟
كيف ينتهي الصباح؟
كيف تنتهي الموسيقى؟
كيف أصنع رأسا من تلك الصخرة التي
تعتلي منكبي؟
كيف أروي تلك المساحات الشاسعة من الرمال
وأنا لا أملك إلا قطرة دم واحدة
منحني إياها جمع غفير من الأجداد
وأخبروني أنها سري،
فانتابني نوع من الحيرة:
كيف أدخلها جسدي؟
لا لضيق المكان
وقلة الشرايين
بل لأنني لم أعتد على الوجود بعد
.
(
نقلا عن ديوان "ذكَرُ الورد"
صدر عام 1988
عن دار رياض الريس في لندن )
سنية
صالح
تؤنب العالم
الآن يكتمل جنوني كالبدر
محمد الماغوط
|